الشيخ محمد علي التسخيري
117
محاضرات في علوم القرآن
تحطيم معنويّات المقاومة العنيفة . وحين يتحدّى القرآن الكريم العرب في أن يأتوا بسورة منه يكون الإيجاز في السورة أبلغ في إيضاح الإعجاز القرآني وأعمق تأثيرا وأبعد مدى . وقد كانت المعركة إلى ذلك كلّه في أوّلها معركة شعارات وتوطيد مفاهيم عامة عن الكون والحياة . والإيجاز والقصر ينسجم مع واقع المعركة وإطارها أكثر من الدخول في تفصيلات واسعة . ولهذا نشاهد السور القصيرة تمثّل المرحلة الأولى تقريبا من مراحل القسم المكّي . وهذه الملاحظات لم تكن تتوفّر في المدينة بعد أن أصبح الإسلام هو الحاكم المسيطر على المجتمع ، وبعد أن أصبحت مسألة الوحي والاتصال بالسماء مسألة واضحة ، وبعد أن جاء دور آخر للمعركة يفرض أسلوبا آخر في العرض والبيان . ومن هذا الدرس لخصائص ومميّزات القسم المكّي تتّضح مبرّرات خصائص القسم المدنيّ من الدخول في تفصيلات الأحكام الشرعية والأنظمة الاجتماعية أو مناقشة أهل الكتاب في عقائدهم وانحرافاتهم ؛ حيث فرضت ظروف الحكم في المدينة ، والحاجة إلى تنظيم العلاقات بين الناس بيان هذه التفصيلات في الأنظمة . كما أنّ المعركة في المدينة انتقلت من الأصول والأسس العامّة للعقيدة إلى جوانب تفصيلية منها ترتبط بحدودها وأشكالها ، وبالعمل على تقويم الانحراف الذي وضعه أهل الكتاب فيها . وبهذا نفسّر الفرق بين المكّي والمدنيّ بالشكل الذي ينسجم مع فكرتنا عن الوحي وفكرتنا عن مراعاة القرآن للظروف من أجل تحقيق أهدافه وغاياته .